منتدى قائم على منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية


    الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة و الشريعة

    شاطر
    avatar
    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة و الشريعة

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الإثنين أغسطس 25, 2008 11:12 am

    التاريخ :6/8/1425 هـ


    آراء ومقالات

    د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

    الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة والشريعة

    هناك
    ظاهرة، تتكرر كل حين، في شكل موجات عاتية من الهجوم على ثوابت هذه الأمة
    وعقائدها ومناهجها، وهي موجات وهجمات تتحد في غاياتها، وإن كانت تختلف في
    أساليبها وفي أدواتها ورموزها.وهذا الملف، يعالج أخطر وأسوأ مظاهر هذا
    الهجوم على الدين، وهو ما يجري على ألسنة أدعياء الثقافة والعلم والأدب،ما
    هي حقيقتهم ما هي أقوالهم.ما هو حكم الشريعة في أمثالهـم.ثم.موقف القوانين
    الوضعية من الردة. وهل كانت سبباً في الترويح لدعاوى الردة في بلاد
    المسلمين؟



    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    من
    المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله تعالى أتم هذا الدين وجعل شريعة
    الإسلام أكمل الشرائع وأحسنها، وقد جاء هذا الدين شاملاً لجميع جوانب
    الحياة البشرية، ولذا أوجب الله - تعالى- على عباده الالتزام بجميع أحكام
    الإسلام فقال سبحانه :
    ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) [البقرة: 208].

    كما جاء هذا الدين موافقاً للفطرة السوية الصحيحة، فقال تعالى : ((فِطْرَتَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: 30].

    فإذا
    كان الشخص مسلماً لله تعالى والتزم بدين الله تعالى فأبى إلا أن ينسلخ من
    الهدى، ويتلبس بالضلال، فيمرق من الحق والنور إلى الباطل والظلمات، فهذا
    مرتد عن دين الإسلام، ناقض لعقد الإيمان، مصادم لما عليه هذا الكون الفسيح
    - من سماء وأرض ونبات وحيوان - من الاستسلام لله - تعالى - والخضوع له،
    كما قال سبحانه:
    ((وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) [آل عمران: 83].

    وإذا كانت قوانين البشر - مع ما فيها من القصور والتناقض والاضطراب - توجب مخالفتها -عند أصحابها - الجزاءات والعقوبات؛ فكيف بمناقضة شرع الله تعالى والانسلاخ من حكمه وهو أفضل الأحكام على الإطلاق؟

    لقد
    شرع الله - تعالى - إقامة الحدود، ومنها: حد الردة تحقيقاً لأهم مقاصد
    الشريعة وهو حفظ الدين، وهو- سبحانه - الحكيم في شرعه، الرحيم بعباده،
    العليم بما يصلح أحوال خلقه في معاشهم ومعادهم.


    وفي
    الآونة الأخيرة تطاول شرذمة من السفهاء على هذه الشريعة، فوصفوا الأحكام
    الشرعية المترتبة على المرتد بأنها استبداد وقسوة ومناقضة للحرية
    الفكرية... فقام من يرد ذلك الإفك بضعف وتأوّل متكلف وانهزامية ظاهرة (فلا
    الإسلامَ نصروا ولا (السفهاء) كسروا).


    ولذا سنعرض في هذه المقالة لمعنى الردة وشيء من أحكاما وتطبيقاتها، وأسباب الوقوع فيها.

    إذا
    رجعنا إلى كتب الفقه، فإننا نجد أن الفقهاء - في كل مذهب من المذاهب
    الأربعة - يعقدون باباً مستقلاً للمرتد وأحكامه، ونورد فيما يلي أمثلة
    لتعريفاتهم للردة، - أعاذنا الله منها-.


    ففي
    بدائع الصنائع للكاساني الحنفي (ت587هـ) : (أما ركن الردة فهو إجراء كلمة
    الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان؛ إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان)
    [7/134].


    ويقول
    (الصاوي) المالكي (ت 1241هـ) في الشرح الصغير: (الردة كفر مسلم بصريح من
    القول، أو قول يقتضي الكفر، أو فعل يتضمن الكفر) [6/144].


    وجاء
    في مغني المحتاج للشربيني الشافعي (ت: 977هـ) : (الردة هي قطع الإسلام
    بينة، أو فعل سواءً قاله استهزاء، أو عناداً، أو اعتقاداً) [4/133].


    ويقول البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: (المرتد شرعاً الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلاً) [6/136].

    وبنظرة في هذه التعريفات نجد أن الردة رجوع عن الإيمان، فهي رجوع باعتبار المعنى اللغوي؛ فالمرتد هـو الراجع، ومن قوله تعالى : ((وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) [المائدة: 21].

    والردة
    رجوع عن الإيمان باعتبار المعنى الشرعي؛ فالشرع يخصص اللغة ويقيّدها، كما
    أن الردة هي قطع الإسلام؛ لأن الإسلام عقد وميثاق، وحبل الله المتين، فإذا
    ارتد الشخص فقد نقض العقد وقطع هذا الحبل.


    والردة،
    كما ذكر البهوتي قد تكون نطقاً، أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلاً، لكن يسوغ
    أن ندرج الشك ضمن الاعتقاد باعتبار أن الشك يكون في عمل القلب المتعلق
    بالاعتقاد.


    ويمكن
    أن نخلص إلى أن الردة هي الرجوع عن الإسلام إما باعتقاد أو قول أو فعل،
    ولا يخفى أن هذا التعريف يقابل تعريف الإيمان بأنه: اعتقاد بالجنان وقول
    باللسان وعمل بالجوارح، وإذا قلنا: إن الإيمان قول وعمل - كما في عبارات
    متقدمي أئمة السلف - أي قول القلب وعمله، وقول اللـسـان، وعمل الجوارح،
    فإن الردة - أيضاً - قول وعمل، فقد تكون الردة قولاً قلبياً كتكذيب الله ـ
    تعالى - في خبره، أو اعتقاد أن خالقاً مع االله -عز وجل - وقد تكون عملاً
    قلبياً كبغض الله - تعالى - أو رسوله - صلى الله عليه وسلم-، أو الاتباع
    والاستكبار عن اتباع الرسول، وقد تكون الردة قولاً باللسان كسبِّ الله -
    تعالى - أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو الاستهزاء بدين الله - تعالى -،
    وقد تقع الردة بعمل ظاهر من أعمال الجوارح كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف.


    فإذا
    تقرر مفهوم الردة، فإن من تلبّس بشيء من تلك (النواقض) يكون مرتداً عن دين
    الإسلام، فيقتل بسيف الشرع؛ فالمبيح لدمه هو الكفر بعد الإيمان .


    وكما
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في هذا المقام: (فإنه لو لم يقتل
    ذلك [المرتد] لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين
    وللدين؛ فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه) [الفتاوى 20/102].


    كما
    يقتل المرتد، فإنه لا يغسّل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين،
    ولا يرث ولا يورث، بل يكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين كما هو مبسوط في
    موضعه [1]


    ومما
    يدل على مشروعية قتل المرتد ما أخرجه البخاري - رحمه الله - أن علي بن أبي
    طالب - رضي الله عنه - أُتى بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس - رضي
    الله عنهما- فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم لنهي رسول الله -صلى الله عليه
    وسلم-: (لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه
    وسلم-: من بدّل دينه فاقتلوه).


    والمراد من قول: (بدّل، دينه) أي بدل الإسلام بدين غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى : ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)) [آل عمران: 85] [2].

    وقد
    التزم الصحابة - رضي الله عنهم - بهذا الحكم، فعندما زار معاذ بن جبل أخاه
    أبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - وكانا أميرين في اليمن، فإذا رجل
    موثق، فقال معاذ: ما هذا؟ قال أبو موسى: كان يهودياً، فأسلم ثم تهوّد، ثم
    قال: اجلس، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات)،
    فأمر به فقتل [3].


    وقد
    قـام خلفـاء وملوك الإسلام وفي عصـور مختلفة بإقامة حكم الله - تعالى - في
    المرتدين تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يخفى موقف الصديق
    رضي الله عنه تجاه المرتدين وقتاله لهم، وسار على ذلك بقية الخلفاء
    الراشدين ومن تبعهم بإحسان.


    واشتهر المهدي الخليفة العباسي بمتابعة الزنادقة المرتدين، حيث عيّن رجلاً يتولى أمور الزنادقة.

    يقول ابن كثير في حوادث سنة 167هـ: (وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه) [4]

    ويعدّ
    الحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم بسيف الشرع دون استتابة، يقول
    القاضي عياض: (وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج
    وصلبه لدعواه الإلهيــة والقول بالحلول، وقوله: (أنا الحق) مع تمسكه في
    الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته) [5].


    وقد
    بسط الحافظ ابن كثير الحديث عن أحوال الحلاج وصفة مقـتله، فكان مما قال:
    (قُدِّم (الحلاج) فضُرِبَ ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وحز رأسه، وأحرقت
    جثته، وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل
    إلى خراسان وطيف في تلك النواحي) [6].


    من
    أهم أخبار المرتدين وأكثرها عبرة ما سجله الحافط ابن كثير في حوادث 726هـ
    حيث (ضربت عنق نـاصر بن الشرف أبي الفضل الهيثي على كفره واستهانته بآيات
    الله وصحبته الزنادقة.


    قال البرازلي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام والاستهانة بالنبوة والقرآن.

    وحضر
    قتله العلماء والأكابر وأعيان الدولة، قال: (وكان هذا الرجل قد حفظ
    التنبيه، وكان يقرأ في الختم بصوت حسن، وعنده نباهة وفهم، ثم إنه انسلخ من
    ذلك جميعه، وكان قتله عزاً للإسلام، وذلاً للزنادقة وأهل البدع، قال ابن
    كثير: وقد شهدتُ قتله، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية حاضراً يومئذ، وقد
    أتاه وقرّعه على ما كان يصدر عنه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك) [7].


    ومما
    يجدر ذكره في هذه المقالة أن الردة التي جاهر بها بعض زنادقـة هذا العصر
    كـ (رشدي)، و (نسرين)، و (نصر أبو زيد)، و (البغدادي)، وأضرابهم أشنع من
    ردة أسلافهم كـ (الحلاج)، و (الهيثي)، والله المستعان.


    وبالجملة فردة هؤلاء الزنادقة في القديم والحديث ليست مجرد ردة فحسب، بل ضموا إلى هذه الردة المحاربة لله تعالى
    ورسوله صلى الله عليه وسلم-، والإفراط في العداوة، والمبالـغـة في الطعن
    في دين الله تعالى وصاحب هذه الردة المغلظة لا يسقط عنه القتل - وإن تاب -
    بعد القدرة عليه.




    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    زائر
    زائر

    رد: الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة و الشريعة

    مُساهمة من طرف زائر في الإثنين فبراير 02, 2009 9:42 pm

    نفع الله المسلمين بالشيخ ربيع، وجزاك الله خيرا أخي أبا عبيدة

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 16, 2018 12:15 pm